رؤية بين نصين
الصقر لأدونيس
الطريق إلى أهقار لشوقي الجزائري
قد يظن القارئ العزيز إن إقران اسم كبير كأدونيس في الشعر باسم مغمور كشوقي الجزائري غلو وإطراء لهذا الاسم الذي لا يكاد يعرفه إلا أصدقاءه, إذ أنه بلا نشر لهنه الساعة التي أكتب فيها هذا المقال, ولكني ارتأيت أن من واجبي كدارس للأدب, وبحكم مواطنتي لهذا الشاعر الذي يحمل في شعره كثير من الأشياء الجديدة والرائعة التي تستحق التدارس, فهو متشبع بأفكار أدونيس غير أنه يطبق هذه النظرات باختلاف صارم مع تطبيقات أدونيس لها, ويكفيك تفرقة بينهما أنه لا يكتب إلا على العمود.
فكما قلت في دراسة سابقة, هذا التزاوج بين الأصالة الشكلية والتجديد الضمني, والذي أضفى على شعره قدسية وعدم مجاراة هو نفسه ما جعل اسمه يختفي وراء الظل, ونحن اليوم بصدد بعض نفض الغبار عن ملامح شعره.
بدءا, تمثل القصيدتان رحلتين تاريخيتين وقعتا في صدر ألإسلام. الأولى رحلة عبد الرحمن الداخل من دمشق إلى الأندلس والثانية رحلة تينهنان من تافيلالت بالمغرب الأقصى إلى الهقار قي الجنوب الجزائري.
تلتقي الرحلتان في أنهما واقعيتان وأن كلا البطلين من كبار النفوس, فالشاعران اختارا رمزين قويين يتوجان بالملك في نهاية رحلتيهما.
هناك تقارب كبير في اللغة إذ كثرت استعمالات الإنجيلية الهمسية, والمناجاة والرومنطيقية المتخفية في سرد الواقعية الوجودية, غير أنه ثم فرق أساس, فرق غير مرئي, فقارئ الصقر الجدي يوقن أن كل أسطرها هي بدايات أفكار, إذ أنها تعتمد المفاجأة سواء الإيقاعية أم الفكرية, وهذه خاصية أعمال أدونيس المتحررة من كل إيقاع خارجي, فهي تنبع من لاشعور, كتبها الشاعر في حالة خدر كلي, فكأنه يبدأ تكوينات ثم يتركها في حالة عذرية, تجعك تحس أن لا قرار لها ولا نهاية, فقارئ أدونيس الحقيقي, لا يستطيع أبد الخروج من سطوة النص, شعر أدونيس يقرأ إلى المالانهاية, تماما كالقنبلة التي تنثر شظايا متساوية تعود لتنفجر هي الأخرى.
مَلكٌ والفضاءُ خراجي ومملكتي خُطواتي
في الشّقوقِ تَفّيأت
كنْتُ أجسُّ الدَقائقَ
أَمْخضُ ثَدْيَ القِفارْ
سرتُ أمضى من السّهْم أمْضى
عَقَرْتُ الحصَى والغُبارْ
أما الطريق إلى أهقار فهي على العكس تماما إذ أن أبياتها نهايات أفكار وهذه خاصية العمل العمودي فالقافية التي تدعو إلى التفكير تمنح وقت أكبر للتفكير في نهاية المعنى الجزئي, بل على العكس تنسيك بدايتك, فالقارئ يمكن أن يتخيل كثير من البدايات الاحتمالية, فقصائد شوقي لا تكتب في خدر كما هو الحال عند أدونيس وإنما في منطقة قصوى من الوعي, فلاحظ كيف يقلب فكرة الشعب الذي لا شيء يشبعه لأنه يخاف الجوع
وأنا الرمال , !! أنا الذي أمتص كل الأوديه
ويضيع في صدري القوافل, والخرائط, والحدود
العشب يوشك أن يبيد
والجوع يوشك أن يعود
ويداك مازالت تشيع كالمحارب من بعيد
الجوع في تاهات يزحف في الهجير وفي الجليد
ويداك قـفر … !!
الإلحاد كلا البطلان ملحدان إذ أن لا اعتراف بلفظة الرب أو الله في أي من النصين رغم كون البطلين رمزين من رموز الإسلام إلا أن إلحاد أدونيس متخف عميق لا نلمسه إلا من خلال إعطائه ما يشبه الأوامر الإلهية
(وافُراتاهُ, كنْ ليَ جسْرًا, وكن لي قِناعْ)
وتَرَسَّبْتُ,
غَيِّرْ رَنِينَكَ يا صوتُ
أو في بعض الهمسات النفسية
مَلكٌ والفضاءُ خراجي ومملكتي خُطواتي
أما إلحاد شوقي فهو هجومي, سارتري, لا يتوانى عن الجهر به ومحاولة تبرئته, فانظر كيف حبس الصلاة على العبيد,
, والصلاة
يجتاحها الشيطان من كل الجهات
ها قد تبعتك والفلاة هي الفلاة
أو استهزائه بالأديان السماوية
وعلى طيالسة الرجال المنهكين من القيود
ومن الضلال يواصل الإنشاد في الحلم السعيد
ويسيل مثل الخمر في فردوسك الملأى حدود
الصراع الدرامي حنكة أدونيس وتوجهاته الفلسفية جعلته الأقدر في هذا المجال فالصراعات الجانبية التي واكبت الصراع الأساسي في الصقر جعلت من النص ملحمة حقيقية, فالشاعر عرف كيف يداخل أطراف الصراع كلها في رمز واحد ليتأت له زرع الروح في الحوار الداخلي وسرعة التقلبات النفسية
وكأنّ النَهارْ
عَرَباتٌ من الدّمعِ,
غَيِّرْ رنينَكَ يا صوتُ,
فالإنقلاب سريع جدا حاصل في النفس ذاتها أي بين الأنوات, تيأس أحيانا وتعود مباشرة للثورة
أما الجدل عند شوقي فهو أقرب إلى السطحية إلم نقل أحادي فاستعمل رمزين مختلفين الملكة والخادمة إي القوي والضعيف أو الحاكم والمحكوم, ولكن على انفراد إذ أن العبد كان بإمكانه أن يقول ما في نفسه للحاكم طيلة الرحلة, فشوقي في القصيدة لا يدافع عن الضعيف والمظلوم إذ صوره جبانا صغير النفس محدود الأطماع قليل الوفاء, وصور السيد على أنه الكبير الطموح المسامح لكلمات العبد الجارحة
أنا لا أحبك َ . . !
لا أحبك أيها الوجه ال